السومرية نيوز/ بغداد
يعتبر سياسيون ومراقبون عراقيون أن الصراع المستمر
على السلطة في العراق منذ نحو أربعة أشهر، في ظل عدم تمكن الفرقاء السياسيين من
الوصول إلى حلول مرضية أعاد الكرة بقوة إلى ملعب الدول الإقليمية والخارجية للتدخل
بالشأن العراقي خاصة قبل أسابيع قليلة من موعد سحب نحو 40 ألفا من القوات
الأمريكية، وما سيكون له من تأثير على الواقع الأمني في البلاد.
ويعتقد هؤلاء أن ما يزيد من حدة الصراع هي نتائج
الانتخابات التشريعية التي لم تسفر عن فوز واضح لأي من القوائم بشكل يمكنها من
تشكيل حكومة بمفردها، ففي حين يرى عضو الائتلاف الوطني العراقي أن أغلب الكتل
السياسية تراهن على حصول تدخل خارجي في اللحظات الأخيرة لحل أزمة تشكيل الحكومة، ويعتقد
عضو بالتحالف الكردستاني أن التدخل الأميركي قد يكون مطلبا شعبيا، تؤكد العراقية
أنها تأمل بأن لا تصل المشاكل السياسية لحد الطلب من الآخرين بالتدخل لحلها، إلا أن
المحللون يرون أن دور المرجعية الدينية في النجف هو الأكثر حظا.
ورغم اتفاق جميع الكتل الفائزة
على أن الحكومة القادمة ستكون حكومة شراكة وطنية، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في
تحديد هوية القائمة التي ستحصل على منصب رئيس الحكومة.
أغلب الكتل تراهن حتى اللحظة الأخيرة
على التدخل الخارجي
ويقول عضو كتلة الأحرار المنضوية مع الائتلاف
الوطني العراقي بهاء الاعرجي، إن "أغلب الكتل السياسية تراهن على حصول تدخل
خارجي في اللحظات الأخيرة لحل أزمة تشكيل الحكومة، وما يؤسف أن آخرين يراهنون على
تدخل أمريكي بالذات لحسم هذا الموضوع".
ويضيف الأعرجي في حديث لـ"السومرية
نيوز"، أن "تأخير تشكيل الحكومة والتعنت الموجود بين الكتل وعدم التوصل
إلى حلول حفز الشارع العراقي على استنفار قواه للاحتجاج على الأوضاع الخدمية
السيئة، مما سيفتح المجال أمام الأطراف الدولية بالتدخل وخاصة قوات
الاحتلال"، على حد تعبيره.
وكان السفير الأمريكي لدى
العراق كرستوفر هيل، ذكر في تصريحات صحفية له الثلاثاء، في مركز أبحاث تشاثام هاوس
بلندن، أن على الساسة العراقيين الاتفاق فيما بينهم على تشكيل حكومة جديدة، كما اعرب عن اعتقاده أنهم
سينجحون، في ذلك لأن الولايات المتحدة لا يمكنها أن ترغمهم على عقد اتفاق
فيما بينهم، إلا انه أضاف أن بلاده ستبذل كل ما في وسعها للمساعدة، "لكنها لن
تقول للعراقيين كيف يشكلون حكومتهم".
ويرى عضو كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري الذي
يتزعمه مقتدى الصدر أن "الأزمات السياسية التي مر بها العراق بعد الاحتلال
الأمريكي، عادة ما تحل في اللحظات الأخيرة وفق السقوف الزمنية الموضوعة لها، إلا
أن أزمة تشكيل الحكومة لا توجد حتى الآن بوادر لحلها على المدى القريب، الأمر الذي
سيضعنا في طريق مجهول"، بحسب تعبيره.
ويتابع الأعرجي "وهذا معناه انتهاء العملية
السياسية وإلغاء مجلس النواب وإقامة مجلس إنقاذ من عدة شخصيات لإدارة البلد لفترة
معينة، على أن تكون هناك أحكام عرفية عسكرية، حتى الوقت الذي تتهيأ فيه الظروف بعد
سنتين لتنظيم انتخابات أخرى"، على حد قوله.
ويعتقد بهاء الأعرجي أن "التدخلات في الشأن
العراقي موجودة، وقد تصل إلى درجة صنع القرار، رغم أننا لا نأمل ذلك"، لافتا
إلى "عدم تفاؤله بالوصول إلى حل نهائي لأزمة تشكيل الحكومة".
وكانت واشنطن دعت بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات،
الأطراف العراقية إلى تشكيل حكومة تضم الجميع و"تحترم إرادة الناخب
العراقي"، وهو تصريح فسره مراقبون بأنه يصب في مصلحة القائمة العراقية
الفائزة بالانتخابات.
ورغم أن الائتلافين أعلنا تحالفهما بعد الإعلان عن نتائج
الانتخابات وأكدا ذلك رسميا بتسمية الائتلاف في بداية الشهر الجاري للوقوف أمام
فوز القائمة العلمانية العراقية والتي باتت توصف بأنها القائمة السنية بسبب تصويت
معظم الناخبين السنة لها إلا أن تحالفهما مازال هشا بسبب الخلافات التي تعصف به
وخاصة فيما يتعلق بالاتفاق على اسم مرشح لرئاسة الحكومة.
ويقول مراقبون سياسيون أن إصرار تحالف المالكي على
جعله المرشح الوحيد لرئاسة الحكومة أدى إلى استمرار الخلافات حيث تصر قوى الائتلاف
الوطني على رفض المالكي مرشحا لرئاسة الحكومة المقبلة.
التدخل الأميركي قد يكون مطلبا شعبيا
من جانبه، يشدد عضو التحالف الكردستاني عادل برواري
على أن "هناك تدخلا خارجيا منذ سقوط النظام وحتى الساعة، بالرغم من وجود
اختلافات كبيرة بين تدخل وآخر، لأن أمريكا والحلف الأطلسي موجودان في العراق
ولديهما مصالح مشتركة مع الحكومة العراقية، فهما يحاولان وبدعم من الأمم المتحدة
الإسراع بتشكيل الحكومة على أساس الشراكة الوطنية، وهو مطلب كل العراقيين".
ويضيف برواري في حديث لـ"السومرية نيوز"،
أن "بقاء البلد بلا حكومة أدى لحصول فراغ امني وسياسي، نتجت عنه تظاهرات
غاضبة ومتشنجة كان من المتوقع حدوثها، كالتي حدثت خلال اليومين الماضيين"،
مشيرا إلى أن "الشعب على قناعة بأن العقدة القائمة بين الكتل تكمن حول اختيار
مرشح لرئاسة الوزراء، وهو يدرك أن المشكلة لن تحل إلا بتدخل أمريكي أو غير أمريكي،
وقد يكون هذا مطلبا شعبيا يصب في مصلحة الكتلة الفائزة"، وفقا لقوله.
ويواصل عضو التحالف الكردستاني "كما أن عدم
تشكيل الحكومة الجديدة، سيؤدي بأمريكا والدول المتواجدة معها في العراق إلى
التدخل، وهو أمر طبيعي لأنها منذ السقوط ولحد الآن تتعاون مع الحكومة العراقية
اقتصاديا وسياسيا بموجب الاتفاقية الأمنية المبرمة بين البلدين، وبموجب المادة 27،
التي تنص على أن تدافع أمريكا عن مصالح العراق المشتركة، حتى انسحابها نهاية عام
2011".
وكانت الباحثة بمعهد (اي.اتش.اس) جلوبال اينسايت
للدراسات العالمية، جالا رياني ذكرت الشهر الماضي، أن المأزق الذي يعيشه العراق هو
نتيجة عدم النضوج السياسي للساسة العراقيين، بالإضافة إلى ضعف القوانين العراقية،
وبروز الهويات العرقية والقومية والطائفية، وهو أمر استثمرته بالتأكيد دول الجوار
العراقي بشكل أو بآخر لمصلحتها".
العراقية:علينا عدم تأجيج غضب الشارع
العراقي
بدورها، تقول المتحدثة باسم القائمة العراقية ميسون
الدملوجي، إن "ما يسعدنا هو أن لا يكون هناك تدخل خارجي، ونتمنى أن يحترم
الجميع نتائج الانتخابات، وأن يؤمن الفرقاء السياسيين بالتداول السلمي للسلطة، لكي
لا نصل إلى تدخل خارجي يضعنا أمام مفترق طرق"، بحسب قولها.
وتضيف في حديث لـ"السومرية نيوز"، أننا
"نسعى لكي لا تصل بنا مشاكلنا السياسية إضافة إلى المشاكل الخدمية والأمنية
لتأجيج غضب الشارع العراقي، الذي ربما سيطالب بصورة غير مباشرة الآخرين بالتدخل
لحل الأزمة وتشكيل الحكومة".
وقد حذر، رئيس القائمة العراقية إياد علاوي، في وقت
سابق، من مخاطر تجاهل فوز قائمته وعدم إعطائها الفرصة في تشكيل الحكومة. وقال
علاوي أن تهميش فوز قائمته يعني "الانقلاب على الديمقراطية" وانه تطور
"سيؤدي إلى تدهور الوضع الأمني العراقي وتأجيج الصراع الطائفي في العراق مرة
أخرى".
وتؤكد الدملوجي أن رئيس القائمة العراقية إياد
علاوي "لو كان الآن رئيسا للوزراء لسلم السلطة بكل إرادته ولم يتمسك
بالكرسي"، مبينة أن "ما نشهده اليوم هو تمسك واضح بالكرسي من قبل أطراف
معينة"، في إشارة منها إلى رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي.
وتواصل قائلة إن "هذه الأطراف مستعدة لأن تكون
الدولة بلا حكومة وبفراغ امني وسياسي وخدمي من أجل أن تبقى في السلطة، في وقت يجب
فيه أن تسعى للتوصل إلى حل لمشاكلنا، لكي لا تصل بنا الأمور إلى تدخل أمريكا أو غيرها"،
مستدركة "ومما لاشك فيه فإن الأوضاع في العراق توحي بأننا مقبلون على أيام
غامضة ربما تؤدي بنا إلى اللجوء إلى حلول لا نتمناها"، حسب قولها.
وكانت الاحتجاجات على نقص تجهيز الطاقة الكهربائية
في اغلب المدن العراقية أمس الأول باستثناء إقليم كردستان العراق في وقت تشهد
البلاد فيه جمودا سياسيا منذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من آذار
الماضي وعدم توصل الكتل الفائزة إلى اتفاقات واضحة لتشكيل الحكومة مما ادخل البلاد
في فراغ دستوري حذر بعض المراقبين من انه قد يؤدي إلى اتساع المشاكل الأمنية خصوصا
مع وجود مؤشرات على هذا الأمر، تمثل بالهجوم على مبنى البنك المركزي والحديث عن
قدرة تنظيم القاعدة على استهداف أماكن حيوية في البلاد من بينها المنطقة الخضراء
التي تضم المقرات الرئيسية للحكومة العراقية واغلب مقرات السفارات والمنظمات الدولية.
المرجعية أكثر التدخلات فاعلية
من جهته، يرى المحلل السياسي كاظم المقدادي أن
"الفشل في التوصل إلى حلول ناجعة حول أزمة اختيار رئيس الوزراء المقبل، زادت
من احتمالية عدم تشكيلها إلا بتدخلات خارجية، ربما أكثرها تأثيرا وفاعلية تدخلات
المرجعية الدينية، والتي ستكون بشكل مباشر"، وفقا لقوله.
ويتوقع المقدادي في حديث لـ"السومرية
نيوز"، أن "تصل مسألة تشكيل الحكومة إلى نفق مظلم يعقد الوضع أكثر مما
هو عليه الآن، مما يفتح المجال أمام التدخل الأمريكي الذي بدأ من خلال مساعد وزيرة
الخارجية الأمريكية جفري فيلتمان الذي زار العراق الأسبوع الماضي بحجة تقريب وجهات
النظر، وفي الوقت ذاته، نرى أن مرجعية النجف تبحث بهذا الاتجاه أيضا"، على حد
تعبيره.
ولا يرجح المقدادي أن يكون تدخل المرجعية بالضرورة "لصالح
التحالف الوطني كما يعتقد البعض"، ويعرب عن اعتقاده أن "تتدخل بشكل أو
بآخر لإنصاف القائمة العراقية، لأنها القائمة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد،
كما أن تدخلها هو الأكثر قربا وفاعلية من التدخل الأمريكي"، بحسب وصفه.
ويشدد المحلل السياسي على أن "التدخل الأمريكي
وكما هو معلن الآن، يأتي لتقريب وجهات النظر، لكن ربما في وقت لاحق سيتحول إلى
تدخل فيه شيء من القوة والتهديد" .
وكان مصدر مقرب من المرجعية قد كشف في حديث
لـ"السومرية نيوز"، وأكد ذلك اليوم نجل المرجع الديني بشير النجفي، أن
السفير الفرنسي في العراق الذي زار النجف يومي الاثنين والثلاثاء، نقل رسائل شفوية
من الرئيس الفرنسي إلى المرجعية الدينية في النجف تشيد الأولى بموقف المرجعية
الدينية في النجف من العملية السياسية في العراق وخاصة دور المرجع الأعلى علي السيستاني
لدعمه العملية السياسية خلال السنوات الماضية.
ويعتبر
مراقبون أن رسائل الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي إلى المرجعية الدينة في النجف انه
موقف متحول من قبل دولة علمانية ومدنية مثل فرنسا ويعني تكريسا لدور رجال الدين في
العراق الذي يعتبر بحسب الدستور العراقي الجديد دولة برلمانية ديمقراطية.
وتشير توقعات أغلب المراقبين إلى أن السعودية
وإيران أعدا العدة ومنذ مدة لتفعيل دوريهما في العراق وملء الفراغ الذي سيخلفه
قيام واشنطن بسحب قواتها القتالية من العراق حسب الاتفاقية الأمنية الموقعة بين
البلدين. ويقول مراقبون إنهما ليستا الدولتين الوحيدتين في هذا الشأن.
ويدور
جدل بين الفائزين في الانتخابات حول النص الدستوري المتعلق بأحقية الكتلة الفائزة
بتشكيل الحكومة، إذ ينص الدستور العراقي وفق مادته الـ 76 على أحقية الكتلة
النيابية الأكبر عددا في تشكيل الحكومة، فيما يصر ائتلاف العراقية (91 مقعدا) على
أن النص يشير إلى القائمة الفائزة بالانتخابات، في وقت يعتبر ائتلاف دولة القانون
(89 مقعداً) أن النص يعني أي تكتل قد ينشأ نتيجة اندماج أو تحالف أي من الكتل
الفائزة بعد الانتخابات.
ويطالب
أنصار العراقية بإعادة تطبيق السابقة التي وقعت في عام 2006 عندما تم تكليف
الائتلاف العراقي الموحد بتشكيل الحكومة، فحين فشل مرشح كتلة الائتلاف العراقي
الموحد الفائزة آنذاك إبراهيم الجعفري في الحصول على موافقة الكتل النيابية بعد أن
كلفه رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة، عاد الرئيس جلال الطالباني وكلف مرشح تسوية
من الكتلة نفسها وهو نوري المالكي وبالتالي فإن على رئيس الجمهورية أن يكلف
القائمة العراقية بتشكيل الحكومة باعتبارها الكتلة الفائزة الأكبر في الانتخابات. وبالتالي فحتى لو اخفق المرشح الأول من القائمة
العراقية في تشكيل الحكومة فيجب الذهاب إلى مرشح تسوية يكون من كتلة العراقية
نفسها، وإذا تعذر ذلك فعندها يجب احترام الدستور من خلال تكليف الكتلة الثانية
التي تلت القائمة العراقية بتشكيل الحكومة.