الثلاثاء 07 شباط 2012

عن قرب

أوباما يتقمص جلد بوش

السبت 22 أيار 2010
وهبي العميد
بعد تسلم باراك أوباما دفة الإدارة في واشنطن في بداية عام 2009 ، قررت الإدارة الديمقراطية الجديدة في البيت الأبيض فتح صفحة جديدة مع سوريا وإيران مغايرة لتلك التي كرسها جورج بوش والتي اتسمت بانعدام الثقة حتى بلوغ حد المواجهة، ما دفع بمعظم المراقبين إلى تسمية عام 2009 بعام الانفتاح بين واشنطن من جهة ودمشق وطهران، من جهة أخرى.

فعلى صعيد الواجهة الإيرانية استبدل أوباما سياسة التصعيد التي انتهجها بوش بأخرى استيعابية على أمل جرِ إيران إلى التعاون مع الأسرة الدولية والأمم المتحدة لحل مسألتها النووية سلميا، وأعطاها مهلة حتى نهاية عام 2009، لكن مبادرة أوباما انتهت بالفشل، لا بل ووجهت بتصعيد المواقف الإيرانية " النجادية " من أوباما ومجمل الأسرة الدولية، وبلغت حد التحدي عندما وقف منذ أكثر من شهر الأسد ونجاد ونصر الله في دمشق وهم يسخرون من أميركا و" أوبامها " .

وعلى الجانب الآخر الدمشقي، انفتح أوباما على الأسد وأرسل مراراً موفدين إلى دمشق، وقرر إعادة السفير الأميركي إلى عاصمة الأمويين، إلا أن الانفتاح الأميركي فسرته دمشق ضعفا أميركيا كما  يبدو، وأخذت أبواقها تتصرف في لبنان على هذا الأساس، حيث بدأت تتشفى من سياسة الاستقلاليين اللبنانيين وتعيرهم بأنهم خسروا معركة الاستقلال، فيما قوبل هذا الانفتاح " الأوبامي" في القمة الثلاثية بالسخرية من سياسته، وتطور إلى إهانة إدارته وتحديها.

وهكذا انتهى انفتاح الإدارة الجديدة على العاصمتين الشرق أوسطيتين بالتحدي والمواجهة، فلم يبق أمام أوباما سوى العودة إلى سياسة بوش، أي إلى المواجهة وتطويرها وحتى تجاوز الخطوط التي بلغتها سياسة سلفه ودفعها باتجاه رفع سقف المواجهة والتحدي . وقد ظهر هذا التصعيد الأميركي من المؤشرات الديبلوماسية الجديدة، ولهجة التصعيد العسكري التي رافقت هذه المؤشرات.

ترابط الأزمات
تعتبر القضية الفلسطينية محور الأزمات في منطقة الشرق الأوسط ، وباسم القضية الفلسطينية، والمتاجرة بها، تحاول إيران فرض هيمنتها على المنطقة بالتركيز على عدة محاور :

المحور السياسي: تركيز الديبلوماسية الإيرانية على فشل الدول العربية والعالم العربي في إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وتحويل هذه القضية من مسألة عربية وإنسانية بامتياز، إلى مسألة إسلامية، وقيادة التحرك على هذا الأساس لدغدغة الشعور الإسلامي وزرع الشقاق والتباعد بين الأنظمة العربية وشعوبها، محاولة بذلك تقسيم العالم إلى فسطاطين.
-المحور العسكري : قيادة مجموعات المواجهة العسكرية "حزب الله في لبنان والجهاد الإسلامي في غزة" من بعيد ، دون أن تتأثر هي بردات الفعل العسكرية الإسرائيلية على هذه المجموعات في لبنان وغزه نظراً لبعدها الجغرافي عن أرض المواجهة في فلسطين، وتصدير الجهاد مباشرة أو عبر مجموعاتها إلى مصر، وتأسيس حرس ثوري في الكويت، وتعهد الفوضى فوق الساحة العراقية.
-المسألة النووية: التحكم الإيراني ببعض الأزمات التي تديرها عسكريا في هذه المنطقة بواسطة السلاح، أو التحريض، أو الاثنين معاً، يسمح لها بالتفاوض مع الكبار لحل هذه الأزمات وفقاً لشروطها الخاصة. كما يمنحها مواد دسمة للمقايضة لتأمين عناصر الهيمنة بدون النووي، أو الاندفاع نحو النووي لتأمين الهيمنة، وفي كلا الحالتين، تعتبر هذه الأزمات مادة رابحة لتأمين مصالحها الحيوية وإستراتيجيتها في المنطقة، ولم لا تكون إستراتيجيتها نحو العالم الأوسع "عالم الكبار" ، خصوصاً أنها تحاول بناء نظام عالمي ثنائي جديد بالاشتراك مع حلفاء لها تكون فيه طهران أحد قطبي هذا العالم.

- الجانب السوري: وكما تفعل إيران كذلك تفعل سوريا التي تدخل إلى أزمات المنطقة عبر بوابة القضية الفلسطينية، فالدخول إلى المنطقة لحل الأزمات لايمكن أن يحصل إلا عبر هذه البوابة، والخروج من المنطقة نحو السلام لايمكن أن يحصل إلا عبرها، فكيف إذا كانت سوريا تملك مفاتيحاً في الاتجاهين: مفاتيح صنع السلام، ومفاتيح " صنع " الحرب :

- في الجولان لاتزال سوريا تعاني من احتلال الأرض (1000كلم مربع) التي ضمتها إسرائيل إليها وأصبحت جزءاً لايتجزأ من دولة إسرائيل منذ عام 1982، وفي غياب إمكانية استعادة هذه الأرض بالقوة العسكرية، وتعثر مفاوضات السلام منذ عقود، فإن دمشق لاتجد وسيلة للضغط على إسرائيل سوى خوض حرب غير مباشرة معها عبر لبنان بواسطة حزب الله، وعبر غزة بواسطة حماس، لأن أجندة هذين الفصيلين تلتقي مع أجندتها في كثير من المفاصل.

-في المنطقة تمارس سوريا سياسة الهيمنة على لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية وعلى العراق الذي لم يتعاف بعد. فتحريك الساحة العراقية أمنياً يصب في مصلحتها للمقايضة مع الولايات المتحدة الأميركية . وقد ظهر ذلك جلياً خلال عام الانفتاح 2009. والتحكم بمكونات سياسية داخل بلاد الأرز، وم2009.ولة من النهوض ، يصب في مصلحتها أيضاً للمقايضة والتبادل باتجاه فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الاعتدال العربي . وقد ظهر ذلك جلياً أيضاً خلال عام الانفتاح 2009.

لكن سوريا لاتقايض إلا بالشحَ لتحتفظ دائماً بالمبادرة وبالاحتياط "الفوضوي"للمقايضة، كما تمسك سوريا بالأمن "الإستراتيجي" للقضية الفلسطينية عندما تؤوي في دمشق قادة المنظمات الفلسطينية المتصارعة مع منظمة التحرير "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني حسب اتفاق أوسلو"، لتقايض بها على الاستقرار في المنطقة واستعادة الجولان لإرساء السلام.

تفكيك الأزمات
ومثلما تبقى قضية فلسطين محور بناء الأزمات في الشرق الأوسط، تبقى كذلك محور تفكيك هذه الأزمات: فمنها تنطلق الحروب وحولها يصنع السلام،. فالرئيس بوش الابن أطل بعد حربه على العراق بأسابيع عام 2003 ليضع مع اللجنة الرباعية الدولية خارطة طريق لحلَ القضية الفلسطينية مع نهاية عام 2005. حيث كان بوش يأمل بأن حل القضية المحورية يسهِل عليه حل الأزمات المتفرعة عنها والتي تستغلها بعض دول المنطقة،لكنه فشل، أو أفشل، في إيجاد حل لها.

واليوم يتكرر المشهد نفسه، باراك أوباما يرسل مبعوثه جورج ميتشل إلى فلسطين في محاولة جدية هذه المرة، وإصرار أميركي لكسر جدار الأزمات انطلاقا من القضية المحورية في تل أبيب ورام الله، وبالرغم من الصدام الديبلوماسي بين تل أبيب وواشنطن أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى فلسطين وإلحاح واشنطن على وقف الاستيطان في القدس الشرقية، أصرَ البيت الأبيض ولا يزال على وجوب إيجاد حلٍ ما، يمكن بعده للأميركي الانتقال إلى بقية الأزمات.

وكما ترافقت خارطة الطريق بتصعيد ديبلوماسي وسخونة علاقات بين واشنطن ومحور الرفض في حينه، ترافقت زيارة جو بإيدن ومشروع ميتشل للحل مع تأزم في العلاقات بين واشنطن ومحور الرفض نفسه ، بسبب صواريخ "سكود" وسلاح حزب الله وكذلك بسبب المسألة النووية الإيرانية مع إصرار "أوبامي" على إيجاد حل للقضية المحورية، وكأن أوباما يتقمص جلد بوش.

هل يريد أوباما التقليد ؟ أم أن الدرب الصحيحة لحل الأزمات لاتمر إلا في فلسطين؟

وتبقى فلسطين هي بداية الحروب والأزمات وقد تكون نهاية هذه الحروب والأزمات إذا نجحنا في إيجاد حل لقضيتها المحورية.

توصية
3
0
تعليق
التعليقات المنشورة على موقع السومرية نيوز تعبر حصرا عن رأي كتابها، وبالتالي السومرية نيوز تتنصل من أي مسؤولية قانونية أو جزائية قد تنتج عن هذه التعليقات، وفي نفس الوقت تؤكد أنها ستمتنع عن نشر أي تعليق يسيء لآداب النشر، أو يحتوي نوعا من الدعاية.
من منطلق وعيها بأهمية المشاركة الجماهيرية فيما يدور من أحداث على اختلاف أنواعها، خصصت السومرية نيوز هذا المنبر التفاعلي، فيرجى عدم إساءة استخدامه.
Share/Bookmark