السومرية نيوز/
دمشق
توقعت مصادر سورية
رسمية، الثلاثاء، أن يشهد نهاية آب المقبل انجاز أولى الخطوات العملية لمشروع ري دجلة
الكبير، الذي مولت عملية تحديث دراسته كويتيا، ويقضي بسحب مياه نهر دجلة إلى داخل الأراضي السورية، واعتبرت في الوقت نفسه أن المشروع لا
يهدف إلى التأثير سلبا على حصة العراق من المياه إنما للاستفادة القصوى من حصة سوريا
من النهر، مؤكدة عدم اعتراض بغداد على المشروع، لعدم تعارضه مع الاتفاقات الثنائية
والدولية.
وباشرت الحكومة السورية مطلع العام الحالي، بتنفيذ الخطوة
العملية الأولى المشار إليها من مشروع «ري دجلة الكبير» الذي يقضي بإرواء نحو 180 ألف
هكتار من أراضيها من مياه نهر دجلة بسحبها لمسافات طويلة داخل الأراضي السورية، وذلك
بعد إبلاغ الحكومة العراقية والحصول على الضوء الأخضر التركي على خلفية تحسن العلاقات
السياسية بين البلدين، وبعد سنتين من طلب مجلس الوزراء السوري من وزارة الري المبادرة
لاتخاذ الإجراءات اللازمة للبدء بتنفيذ المشروع، الذي يندرج في إطار تنمية المنطقة
الشرقية، وينفذ بالتعاون مع الأمم المتحدة.
إلا أن وزارة الموارد المائية العراقية حذرت في الثامن من أيار
الماضي، من المشروع واعتبرته "التفافا على الاتفاقات الدولية للمياه".
وتجلت أولى الخطوات العملية للمشروع بالمباشرة في بناء الجدار
المانع للرشح لمحطة الضخ الرئيسة بداية العام الجاري، عبر تمويل محلي وبكلفة زادت عن
5.4 مليون دولار على أن ينجز الجدار مع انتهاء الشهر المقبل، ليتم لاحقا تنفيذ المشروع
كاملا عبر أربعة مراحل وبكلفة إجمالية تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار، تسعى
الحكومة السورية لتأمينها عبر قروض من الصندوق الكويتي وصناديق أخرى عربية وإقليمية.
وإلى جانب محطة الضخ فإن مشروع «ري دجلة الكبير» يتضمن منظومة
متكاملة من سد تخزيني ونفق ضخم وقنوات ري حديثة وشبكات ري من أنابيب مطمورة، مع الاستفادة
من المياه الجوفية والأمطار الشتوية، إضافة إلى الاستفادة من بعض السدود القائمة حالياً.
المشروع لا يؤثر سلبا على العراق
وقالت المصادر لـ"السومرية نيوز" إن "تحديث الدراسات
الفنية لـ«مشروع ري دجلة»، الذي يتم عبر منحة تصل إلى مليون دولار مقدمة من الصندوق
الكويتي، لا يراد منه التأثير سلبا على حصة العراق من الوارد الطبيعي لنهر دجلة، إنما
الاستفادة القصوى من حصة سوريا من مياه هذا النهر".
ونفت المصادر السورية صحة ما يقال عن أن سوريا بمشروعها هذا
إنما تقوم بضخ المياه إلى مسافات بعيدة داخل أراضيها وبما يخالف القوانين الدولية في
هذا المجال، واعتبرت أن كل ما يثار عن الموضوع لم يتعد المستوى الإعلامي والتقارير
الصحافية، مبينة أن "الجانب العراقي لم يتقدم بأي اعتراض على المشروع عبر الجهات
الرسمية لأنه مطلع على تفاصيله".
دمشق مررت للعراق مياها أكثر من حصته
ولفتت المصادر إلى أن المساحة التي سيتم إرواؤها عبر المشروع
تقع ضمن أراضي الجزيرة العليا في سوريا والتي تزيد مساحتها على مليون هكتار، وتمت دراسة
أكثر من 530 ألف هكتار بين نهر دجلة ومدينة القامشلي، وتبين أن أكثر من 481 ألف هكتار
منها صالحة للري، وتم تصنيف أكثر من 444 ألف هكتار منها وفق الصنفين 1 و 2 حسب التصنيف
الأميركي، بما يعني أن المساحة الصافية للمرحلة الأولى من مشروع «ري دجلة الكبير» البالغة
150 ألف هكتار تقع ضمن هذين الصنفين.
واعتبرت المصادر أن "دمشق لا تبني مشاريعها على حساب الآخرين"،
مستدلة على ذلك بأن سوريا مررت العام الماضي في نهر الفرات باتجاه العراق دفعات مائية
أكثر مما تسمح به الاتفاقات الثنائية، نتيجة لموجة الجفاف الكبيرة التي أثرت على جميع
دول المنطقة.
وأضافت أن وزير الري السوري نادر البني وبهدف مساعدة العراق
على تجاوز مشكلة الجفاف ابلغ وزير الكهرباء العراقي وحيد كريم حسن خلال لقائه به في
حزيران العام الماضي أن سوريا مررت إلى العراق نحو 5.737 مليارات متر مكعب من المياه
خلال خمسة أشهر وبمعدل 72 بالمائة من كميات المياه المارة إلى سورية عبر الأراضي التركية
والبالغة 8 مليارات متر مكعب.
وردا على المخاوف العراقية والتقارير الصحفية التي ألمحت إلى
التفريط بالمصالح العراقية من قبل الحكومة السابقة التي وقعت الاتفاق مع سورية إبان
حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، أوضحت المصادر السورية أن دمشق لم تتحرك لتنفيذ
مشروع «ري دجلة الكبير»، الذي ظل مجمدا طيلة 30 عاما، إلا بعد إبلاغ الحكومة العراقية
الجديدة.
اللجان تجتمع بعد انقطاع دام عشرين عاما
وقالت المصادر إن وزير الري السوري نادر البني أكد ذلك في كلمة
له خلال اجتماع الوزراء العرب المعنيين بشؤون المياه بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية
في 16 تموز عام 2008، حيث أوضح أن تحسن العلاقات السورية التركية دفع إلى إعادة إحياء
الاجتماعات الوزارية واللجان الفنية السورية العراقية التركية بعد انقطاع دام نحو عشرين
عاماً، فعقد اجتماع وزاري ثلاثي في آذار عام 2007 بمدينة أنطاليا التركية، وتم خلاله
التوقيع على محضر عبّر الحضور فيه «عن الرغبة الصادقة في التعاون من أجل استثمار الموارد
المائية المشتركة بما يحقق التنمية الفعلية للدول الثلاث وبروح عالية من الشفافية»،
وأكد المحضر أن «مياه دجلة والفرات تكفي الدول الثلاث على أن يتم حسن إدارتها وتنظيمها
واستثمارها».
وأوضح البني حينها أيضا أن اجتماعا آخر عقد بدمشق للجنة الفنية المشتركة
السورية العراقية التركية في أيار العام نفسه لمناقشة الأمور الفنية المشتركة بخصوص
الموارد المائية، وتم خلال الاجتماع إبلاغ الجانب التركي عزم الجانب السوري على إنشاء
محطة ضخ على نهر دجلة في موقع عين ديوار، مع التشديد على وجود محاضر بين وزيري الري
والموارد المائية السوري والعراقي تبين موافقتهما على ذلك.
وكان مصدر حكومي عراقي مطلع، ذكر في شهر أيار الماضي، أن الحكومة
العراقية تمارس ضغوطا على سوريا لتغيير الممول لمشروع سحب مياه نهر دجلة إلى داخل أراضيها
وتغيير المكان المحدد لإنشاء المشروع على أن تطلق سوريا كميات إضافية لحصة العراق من
نهر الفرات، مؤكدا أن تلك الضغوطات تأتي ردا على موقف الكويت من الخطوط الجوية العراقية،
كما ذكر المصدر في حديث لـ"السومرية نيوز"، أن الهدف من تلك الضغوط هو تغيير
مكان المشروع والممول الرئيسي له وهو الكويت، ردا على موقف الكويت الأخير من الخطوط
الجوية العراقية، مشيرا إلى أن موافقة الحكومة العراقية على المشروع "تتوقف على
التزام سوريا بهذين المطلبين"، بحسب قوله.
وتعاني محافظة الحسكة السورية من أزمة كبيرة من المياه بعد انخفاض
مستوى المياه الجوفية، وتراجع بل وجفاف الينابيع المغذية لنهر الخابور السوري الذي
ينبع من تركيا ويدخل الأراضي السوري عند مدينة رأس العين ليصب في الفرات قبل مدينة
الميادين بعد أن يكون قد مر بمدينة الحسكة، الأمر الذي انعكس سلبا على سكان المنطقة
الذين كانوا يعتمدون بشكل أساس على الزراعة، ما دفع إلى زيادة في معدلات الفقر ونزوح
جماعي حتى كادت بعض القرى تبدو وكأنها شبه فارغة بعد أن هجرها أهلها إلى مناطق أخرى
وخصوصا باتجاه مدينتي دمشق وحلب.
فيما شهد العراق، من جهته، خلال السنوات الثلاث الماضية أزمة
حادة في المياه العذبة، تجلت صورها بجفاف العشرات من الجداول والأنهر الفرعية في وسط
وجنوب العراق، مما اضطر مئات الأسر إلى هجر قراها والتوجه نحو مراكز المدن، كما أدى
انخفاض مناسيب المياه العذبة في شط العرب، أقصى جنوب العراق، إلى زحف مياه الخليج المالحة
نحو مدينة البصرة وتهديد مساحات واسعة من بساتين النخيل والحمضيات.
وينظم تقاسم مياه نهر الفرات بين سورية وتركيا حالياً بروتوكول
وقع عليه البلدان عام 1987، وتعهد الجانب التركي فيه بأن يوفر معدلاً سنوياً ما يزيد
عن 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية السورية، وفي الحالات التي يكون فيها
الجريان الشهري تحت مستوى 500 متر مكعب بالثانية، فإن الجانب التركي يوافق على أن يعوض
الفرق أثناء الشهر التالي.
وفي المقابل نص اتفاق سوري عراقي مؤقت عقد في بغداد بتاريخ
17 نيسان عام 1989 على تقاسم الوارد من مياه نهر الفرات على الحدود السورية التركية
المشتركة بنسبة 58 بالمئة للعراق و ٤٢ بالمئة لسورية .
ويبلغ طول نهر دجلة نحو 1950 كيلومترا، 1408 كيلومترا منها في
العراق إضافة إلى نحو 50 كيلومترا تتشارك فيها سورية مع تركيا والعراق حيث تحتل الأولى
الضفة الغربية للنهر بينما تحتل تركيا والعراق الضفة الشرقية.
ويعتبر الوارد الطبيعي الوسطي لنهر دجلة نحو 18.5 مليار متر
مكعب سنوياً عند بلدة عين ديوار السورية في أقصى الشمال الشرقي، وبعد أن يصب فيه رافد
الخابور العراقي عند بلدة فيش خابور إلى الجنوب من الموقع السابق بنحو 50 كيلومترا،
يرتفع وارد نهر دجلة إلى أكثر من 20.5 مليار متر مكعب سنويا.
وبحسب وثائق وزارة الري السورية فإن الحكومتين السورية والعراقية
وقعتا في بغداد بتاريخ 9 نيسان 2002 اتفاقا تمت المصادقة عليه في تشرين أول عام
2002، يقوم بموجبه الجانب السوري بإنشاء محطة ضخ على الضفة اليمنى لنهر دجلة في موقع
عين ديوار في الأراضي السورية لسحب المياه بمعدل يتراوح بين 10 حتى 100 متر مكعب بالثانية
وبمجموع إجمالي يصل إلى 1.25 مليار متر مكعب سنويا بهدف إرواء 150 ألف هكتار صافي كمرحلة
أولى، واعتمدت تلك الاتفاقية في حينها على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 كمرجعية
قانونية.
لكن وزير الموارد المائية عبد اللطيف جمال رشيد يذكر في موقع
وزارته أن اتفاق نصب محطة ضخ سورية على نهر دجلة الذي وقع العام 2002 كان مشروطا تعويض
الكمية المسحوبة من دجلة ضمن حصة العراق عبر زيادة الحصة المائية في نهر الفرات الذي
يدخل العراق من محافظة الأنبار غرب بغداد.
وأقرت الأمم المتحدة في أيار 1997 الاتفاقية الدولية للأغراض
غير الملاحية وصوت عليها 117 دولة وعارضتها ثلاث دول من بينها تركيا، ونصت الاتفاقية
في مادتها الخامسة على أن تنظم عملية الانتفاع والمشاركة بشكل منصف ومعقول على الوجه
التالي: تنتفع دول المجرى المائي كل في إقليمها بما فيه بنسب منصفه ومعقولة وتعمل على
تنميته بغية الانتفاع به بشكل مستديم واستخدام أمثل مع مراعاة مصالح الدول المتشاطئة
فيه ويؤمن الحماية الكافية لها، أما المادة السابعة فتنص على أن تتخذ الدول المشاركة
في المجرى المائي جميع التدابير داخل أراضيها لتفادي أي ضرر يؤثر على انتفاع دول المجرى
المائي الأخرى، وإذا وقع ضرر مؤثر في انتفاع أحدى دول المجرى المائي تتخذ الدول التي
وقع الضرر بسبب استخدامها الذي لم يكن محل أتفاق كل التدابير المناسبة مع مراعاة أحكام
المادتين (5،6) وبالتشاور مع الدول المتضررة لإزالة ذلك الضرر أو تخفيفه والبحث في
مسالة التعويض.
لكن هذه الاتفاقية الدولية لم تدخل بعد حيز التنفيذ ولم
تصبح ملزمة لأنها لم تحصل بعد على مصادقة برلمانات الدول الموقعة عليه.
يذكر أن كلاً من العراق وسوريا اتهمتا تركيا في أيلول 2009 بتقليل
حصتيهما من المياه من 500 متر مكعب في الثانية المتفق عليها عام 1987، إلى أقل من
120 متراً مكعباً في الثانية، بحسب الخبراء، بينما عزت الحكومة التركية السبب إلى قلة
الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض مناسيب المياه في سد أتاتورك.
وتشير العديد من الدراسات
إلى أن طول نهر الفرات يبلغ 2330 كم، موزع كالآتي: 442 كم منه في تركيا، 675 كم في
سوريا، و1213 كم في العراق. وأما نهر دجلة فيبلغ طوله 1950 كم ويتوزع بين تركيا وسوريا
والعراق. وهذا يعني أن النهرين المذكورين ينطبق عليهما وصف الانهار الدولية وليس الانهار
الوطنية.
وينبع نهر دجلة من
مرتفعات جنوب شرق هضبة الأناضول في تركيا، ويشكل حدا طبيعيا مشتركا لسوريا مع كل
من تركيا والعراق لمسافة 50 كلم فقط ثم يدخل بعد ذلك أراضي العراق عند بلدة فيش خابور
التابعة لمحافظة دهوك، وتصب في النهر مجموعة كبيرة من الروافد المنتشرة في أراضي تركيا
وإيران والعراق أهمها وأطولها الخابور، والزاب الكبير، والزاب الصغير، والعظيم، ونهر
ديالى، وينتهي دجلة بالتقائه جنوب العراق بنهر الفرات مكونين شط العرب الذي يصب بدوره
في الخليج.