السومرية
نيوز/ بغداد
يقف كريم
فاضل، 33 سنة، وقد احتشد حوله أطفاله الذين ولد 13 منهم في مخيم جكوك الذي تقطنه
نحو ثلاثة آلاف عائلة مهجرة ونازحة، حيث تعرف على زوجته الثانية ثم الثالثة بعدها
بوقت قصير، ويقول انه يعتبر الأمم المتحدة "الأب الروحي لأهالي جكوك"،
فهي ترعاهم وتساعدهم، ويضيف أنها صاحبة الفضل عليه في مجيء "سلاحف
النينجا".
ويبدو
واضحا، وللوهلة الأولى لأي زائر إلى "جكوك"، الواقعة شمال غرب بغداد، أنها منطقة شيدت من الصفيح
والطين على عجل لتكون مأوى لأهاليها الهاربين والنازحين من العنف عن مناطقهم
الأصلية، ويشعر أن سكانها ارتضوا السكن في مكان يعد من المناطق التي "تجاوزت
على أراضي الدولة"، ويفتقر إلى أدنى أنواع الخدمات.
وسرعان ما
يجد كل من يتجول في هذا الجزء المنسي من العراق، أن الأقاويل التي قيلت عنها بأنها
تشبه مستوطنات الإنسان القديم، قريبة من واقعها اليومي كثيرا.
أولاد قد
تتشكل لديهم قوى خارقة من العيش بين الأوساخ
ويوضح
كريم فاضل لـ"السومرية نيوز"، وهو يشبك أصابعه مرتديا دشداشة صفراء تغير
لونها بسبب قدمها، ومنتعلا حذاء إسفنجي أبيض، وسط أطفاله الثمانية عشر والذين تعود
مناداتهم بـ"سلاحف النينجا" تيمنا بفيلم الكارتون الشهير(Ninja
turtles)، إن "أطفالي يعيشون في
وضع شبيه بوضع سلاحف النينجا في الفيلم، إلا أنني لا أدري إن كانت حالة الفقر والظلم
والأوساخ التي يعيشون فيها ستجعلهم قادرين على محاربة الأشرار؟".
وبحسب
رواية الفيلم الكارتوني التي تبدأ في أحد شوارع نيويورك فإن شاحنة تحمل مادة
غريبة كادت أن تدهس فتى يحمل أربعة سلاحف صغيرة، أستطاع الفتى أن ينجو لكن سقطت
السلاحف مع المادة الغريبة من الشاحنة في مجاري المدينة فكبرت وهي تعيش بين
الأوساخ ومياه المجاري وتتلمذت على يد جرذ على إتقان فنون القتال لمحاربة الأشرار
خاصة وان المادة الغريبة جعلتها تقوم بأعمال خارقة.
ويخيل
للداخل إلى مخيم جكوك قبل الوصول إليه أنه بصدد الدخول إلى مركز للأرصاد الفضائية
من كثرة الأقراص اللاقطة التي تناثرت بشكل كثيف على سطوح البيوت الصفيحية، لكن
كريم فاضل يقول إن جهاز التلفزيون والصحن اللاقط يحرص جميع سكان منطقة جكوك على
اقتنائهما، ويوضح أنه "يمكن تشغيلهما على البطاريات وعلى المولدات الصغيرة
أما الأدوات الكهربائية الأخرى فتحتاج إلى طاقة أقوى وهذا غير متوفر هنا".
الزواج
طمعا بالعمل أو بامرأة عاملة بانتظار المالكي!
ويتابع
فاضل "أنا أعتبر أن الأمم المتحدة وزعيمها كي مون وليس الحكومة العراقية هي
صاحبة الفضل علينا لأنها تقدم الدعم لنا جميعا"، ويستطرد مازحا
"يكفي أنها وفرت لي فرصة تعرفي على امرأتين تزوجتهما أثناء سكني في منطقة
المهجرين والنازحين!".
ويتابع
"تعودت البحث عن لقمة العيش لي ولعائلتي التي تتكون من 22 شخصا، وصار مشهد
عودتي آخر النهار لعائلتي وأنا أحمل كيسا ضخما من البطاطا والطماطه (الطماطم) والباذنجان،
مألوفا سواء لعائلتي أو للجيران".
ويوضح
فاضل "اضطررت إلى ترك مناطق عديدة كنت أسكن فيها مع والدتي المسنة، وحين سمعت
من احد الأشخاص عن قطع أراض خالية في منطقة جكوك بالقرب من منطقة الكاظمية ويمكن
لأي عائلة لا تملك السكن البناء والعيش فيها ببساطة وتلقي مساعدات من منظمات تعنى
بالشؤون الإنسانية قررت المجيء إليها".
ويضيف
"بمجرد وصولي مع عائلتي إلى المنطقة بداية عام 2006 بدأت ببناء منزل من
الصفيح والطين وبعض الألواح الخشبية والحديدية، وتزوجت بامرأة ثانية ورزقت منها
بطفلين أملا مني بجلب الحظ، بعد وعود تلقيتها من والدها بتوفير فرصة عمل ثابتة لي،
ولكنه لم يف بأي من وعوده بعد الزواج"، حسب قوله.
ويواصل
قائلا "الأمر الذي دفعني للزواج من ثالثة لمساعدتي في تحمل تكاليف الحياة
اليومية للعائلة، لأنها كانت من الباعة المتجولين في سوق شعبي قريب من منطقة جكوك
التي يسكنها"، مشيرا إلى أنه يأمل بلقاء "رئيس الوزراء نوري المالكي
لمساعدتي لأنني مواطن عراقي لي الحق في العيش الكريم في بلاد تزخر بالثروات"،
بحسب تعبيره.
جكوك تعيش
تداعيات الانتخابات ايضا
من جهته،
ينتقد المواطن بشار إسماعيل (45 سنة) قيام المسؤولين العراقيين بزيارة منطقة جكوك
قبل الانتخابات ومطالبة ساكنيها بالتصويت لقوائمهم، ويقول "لكنهم سرعان ما
تناسوها وتنصلوا من وعودهم بتقديم الدعم والخدمات للمنطقة بعد ظهور النتائج".
ويروي
إسماعيل حكايته لـ"السومرية نيوز"، قائلا "تركت منزلي في منطقة حي
النصر والسلام في قضاء أبو غريب الساخن امنيا، واضطررت للسكن في منطقة جكوك رغم
انعدام الخدمات فيها كالماء والكهرباء والخدمات الصحية، لأنني تعرضت وعائلتي إلى
القتل من قبل تنظيمات القاعدة كانت تفرض سيطرتها على المنطقة".
ويطالب
إسماعيل الحكومة بـ"الالتفات إلى منطقة المهجرين والنازحين جكوك، وتقديم
الدعم لها أسوة ببقية المواطنين العراقيين في مناطق العراق المختلفة"، محذرا
إياها "من انخراط مئات الشباب العاطلين عن العمل ضمن المجاميع المسلحة بسبب
الفقر والإهمال".
ويوضح
بقوله إن "نسبة العائلات المهجرة من منطقة أبو غريب إلى منطقة جكوك تصل إلى
80%، وأغلبها لا تستطيع العودة إلى منطقة يفرض عليها أنصار حارث الضاري سيطرتهم
على قرى السعد ومحيريجة ودويليبة وعرب طاحوس"، بحسب قوله.
ويؤكد
إسماعيل أن "دور عدد من قياديي القاعدة من السوريين وأعضاء حزب البعث المنحل
ما زال مستمرا في منطقتي القديمة، وهي تتولى تنفيذ عمليات قتل وتهجير أفراد
لعائلات تريد العودة لمناطقها".
ويتهم
رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق حارث الضاري وابنه مثنى بدعم الجماعات
المرتبطة بالقاعدة، والأخير مطلوب للانتربول الدولي في قضايا الارهاب، كما تعتبر
منطقة أبو غريب من اكثر مناطق بغداد والعراق سخونة لحد الآن وهي تشهد عمليات تفجير
واغتيالات يومية على الرغم من تنفيذ القوات الأمنية العديد من العمليات العسكرية
فيها.
لا ماء
ولا كهرباء ولكن الأمن موجود لعدم وجود مترفين
وخلال
جولة "السومرية نيوز" بين منازل المهجرين في منطقة جكوك تناثرت عليها
طلبات أهالي المنطقة لإيصالها للمسؤولين الحكوميين من أصحاب القرار، والتي اعتبرها
أهالي جكوك آمالا ربما تتحقق عقب تشكيل الحكومة الجديدة.
ويؤكد
المواطن حيدر بدر في حديث لـ"السومرية نيوز"، "لقد هجرت من منطقة
أبو غريب وكنت وما أزال أنا ووالدي نعاني من ضعف في القلب، لكنني مع هذا لا أطالب
الحكومة بمعالجتي في مستشفياتها أو خارج العراق".
ويتابع
قائلا "وكل ما أطلبه باعتباري أحد سكان منطقة تقطنها أكثر من ثلاثة آلاف
عائلة من المهجرين أدعو الحكومة إلى إيصال أنبوب للمياه الصالحة للشرب لهم، لأن
الجميع هنا يتناولون مياه ملوثة بمياه الصرف الصحي المتكسرة".
ويضيف بدر
"كذلك أطالب الحكومة بنصب أعمدة للكهرباء وبناء مستوصف صغير على شكل كرفان
لتوفير الخدمات الصحية في منطقة تفتقر إلى أبسط الخدمات الصحية، إلى جانب بناء
مدرسة قرب المنطقة لرفع الحيف عن المدرسة الوحيدة التي تستقبل الطلاب لثلاث وجبات
وبواقع 2500 طالب".
إلا أنه
يشير إلى وجود خدمة جيدة وحيدة في المنطقة، وهي "الخدمة المتميزة والنوعية
التي يحصل عليها أهالي المنطقة من ناحية ضبط الأمن من قبل قوات الجيش
العراقي"، عازيا السبب في ذلك إلى "عدم وجود عائلات مترفة تسكن مجمع
المهجرين والنازحين في جكوك".
منظمة
إنسانية: وضع أهالي جكوك مأساوي
ويصف رئيس
الجمعية الوحيدة المتواجدة في المنطقة وهي جمعية الأمل الإنسانية رحيم جودت كاظم
الوضع الاجتماعي والاقتصادي والخدمي لأهاليها بـ"المأساوي"، نافيا وجود أي
دور للحكومة في دعم 3500 عائلة نزحت من مناطقها باتجاه منطقة جكوك شمال غرب بغداد
عقب الحرب الطائفية التي اشتعلت في البلاد بعد استهداف ضريح الإمامين العسكريين في
شباط عام 2006.
ويقول
كاظم في حديث لـ"السومرية نيوز"، "نعمل على تقديم الدعم للمواطنين
عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بين فترة وأخرى من
خلال توفير المستلزمات المنزلية البسيطة"، معربا عن أمله أن "يحذوا
المسؤولون الحكوميون حذو الأمم المتحدة في العراق".
ويلفت كاظم
إلى أن "المشكلة تكمن في أن أغلب العائلات في المنطقة لا تملك منازل بديلة،
ويتعذر عليها العودة لمناطقها الأصلية بسبب استمرار تلقيهم لرسائل تهديد في أماكن
تواجدهم الآن في حال عودتهم لمناطقهم الأصلية"، مطالبا الحكومة بـ"إيجاد
حل لهذه المشاكل ليتسنى لبعض العائلات العودة لمناطقها الأصلية".
ويرى رئيس
جمعية الأمل أن "الحجة التي يبرر فيها المسؤولون إهمالهم للمنطقة وعدم تقديم
الخدمات إلى سكانها باعتبار أنها منطقة حصل فيها تجاوز، لا قيمة لها، لأن المشكلة
إنسانية وتستلزم تدخلا عاجلا".
وعودة إلى فاضل
أبو "سلاحف النينجا" فيروي أنه عاد يوم أمس إلى منزله بعد أن رفض
الاتفاق مع صاحب عمل جديد على مبلغ أجره لتخبره إحدى زوجاته الثلاث أن جاره نقل
والدته الكبيرة السن إلى مستشفى الكاظمية لإصابتها برأسها بسبب سقوط سقف مطبخ
منزله المبني من الصفيح.
وكانت
المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، قد اعلنت في تقرير لها، منتصف
حزيران الحالي، تسلمت "السومرية نيوز"، أن أكثر من 472 ألف مهجر ولاجئ
عراقي قد عادوا إلى مناطق سكناهم منذ العام 2008 وحتى نيسان 2010، فيما لفتت إلى
أن الميزانية التي خصصتها للعراق لعام 2010 بلغت أكثر 264 مليون دولار أمريكي.
وكان وزير
الهجرة والمهجرين العراقية أكد في حديث لـ"السومرية نيوز" مطلع عام 2010
عودة أكثر من 48 ألف أسرة مهجرة إلى منازلها خلال عامي 2008 و2009 في جميع
المحافظات العراقية، إلا انه أكد أن نحو 12 ألف أسرة مهجرة من منطقة أبو غريب غرب
العاصمة العراقية بغداد، خلال أعوام العنف الطائفي، لم يعد منها للمنطقة سوى 685
أسرة.
وكانت
لجنة متابعة وتنفيذ المصالحة الوطنية في مجلس الوزراء العراقي أعلنت في بيان تلقت
"السومرية نيوز" نسخة منه، مطلع شهر حزيران الحالي، عودة نحو20650 أسرة
مهجرة من جميع محافظات العراق إلى مناطقها منذ عام 2007، مشيرة إلى بناء 3172 مأوى
للأسر المهجرة في ديالى، فضلا عن تنفيذ 450 مشروعا صغيرا للأسر العائدة في جميع
أنحاء العراق.
ورغم عودة
عدد من الأسر المهجرة إلى مناطقها في عموم محافظات العراق إلا أن القضية التي تم
تأشيرها هي قرار العديد من الأسر المهجرة الاستقرار في محافظات أخرى، خصوصا التي
هجرت من محافظتي بغداد وديالى حيث استقر عدد كبير منها، في محافظات كربلاء وبغداد
والانبار، وبعض محافظات الجنوب وقاموا بشراء منازل لهم فيها ونقل بطاقتهم
التموينية إلى تلك المحافظات، مما يشير إلى حصول تغيير سكاني (ديمغرافي) غير محدود
في مدينتي بغداد وديالى، فيما استقر آخرون في مخيمات عشوائية انتشرت في ضواحي بعض
المدن العراقية، كما فضل عدد من اللاجئين العراقيين السكن في مناطق أخرى بعد
عودتهم إلى العراق تخوفا من ردود فعل مسلحة إذا عادوا إلى مناطقهم الأصلية.
وكانت
عمليات العنف الطائفي التي شهدها العراق ما بين شباط عام 2006 ونهاية عام 2007 أدت
إلى موجات نزوح إلى داخل العراق وخارجه.