السبت 04 شباط 2012

عن قرب

مطالبات برفع الحظر عن ليل بغداد واتهامات للمتنفذين باستغلاله وتحذيرات دينية من الفساد

الجمعة 16 تموز 2010   08:48 GMT


السومرية نيوز/ بغداد
ينظر المخرج السينمائي طه السعدي إلى ساعته كي يطمأن إلى أن الوقت لم يحن بعد على موعد حظر التجوال الذي يبدأ من منتصف الليل يوميا في بغداد، ويبدي أسفه وهو ينظر إلى شوارع العاصمة التي بدت شبه فارغة، متهما أصحاب النفوذ والسلطة "بحرمان الناس من ليل بغداد واحتكاره لهم ولحاشيتهم".

ومنذ العام 2003 تشهد العاصمة بغداد ومدن عراقية أخرى، حظر تجوال تفاوتت توقيتاته بحسب الأوضاع الأمنية لجهة تحسنها أو تدهورها، حيث كانت شوارع العاصمة تخلو سابقا وفي اغلب الأحيان منذ الساعات الأولى للمساء لكن توقيت الحظر، منذ انتهاء عمليات صولة الفرسان في العام 2008 صار يبدأ منتصف الليل وينتهي قبيل شروق الشمس، على رغم التحسن النسبي في الأوضاع الأمنية.

وأدى الافتقار للأمن وأزمة الكهرباء والخدمات إلى تعطيل العديد من المسارح ودور السينما، والأمسيات الثقافية التي غدت "اصبوحات" بفعل انتقال توقيت إقامتها إلى الصباح والظهر وليس المساء، إضافة إلى المعارض الفنية والحفلات الموسيقية والغنائية، إذ شهدت البلاد هجرة العديد من المغنيين والموسيقيين إلى عدد من الدول العربية.

تأثيرات الحظر الليلي ثقافية واجتماعية واقتصادية
ويقول السعدي لـ"السومرية نيوز" أن "القيادات الأمنية وأصحاب المناصب الرفيعة في الحكومة سرقوا الليل من المواطن العراقي وفرضوا عليه الإقامة الجبرية في منزله بحجة الأوضاع الأمنية السيئة وقرار حظر التجوال الليلي"، حسب قوله.

ويؤكد السعدي أن لديه صديقا ذا سلطة ونفوذ في الحكومة العراقية "يتجول في الليل ويرتاد الحانات والبارات الليلة من دون حساب"، ويقارن وضع صاحبه مع المواطن البسيط والعائلة "التي تحاول أن تجد من ليل الصيف الطويل ملاذا مريحا من تعب النهار الحار محرومة منه"، كما يقول.

 ويشكك السعدي في أن يكون الأمن هو سبب فرض حظر التجوال، متسائلا "كيف يسمح لصديقي الذي يحمل أكثر من هوية وباج، أن يتجول وهو اعزل في ساعات حظر التجول بواسطة باجاته، فيما العائلة العراقية ممنوعة من ذلك؟".

ويضيف السعدي أن "آثار الحظر الليلي لا تقتصر على الفن والأدب وعلى نفسية المواطن العراقي الذي تعود على مغازلة ليل بغداد المقتول الآن، بل إن تأثيراته اقتصادية كذلك حيث أن اغلب المستثمرين الأجانب يحبون أن يتجولوا ليلا في المدن التي يستثمرون فيها، إضافة إلى ذلك فان استمرار الحظر يعطي فكرة  خاطئة عن استمرار العنف والقتل والخطف وغيرها من الإعمال الإرهابية في بغداد، وهذا أمر  مغاير للواقع".

ويبدو موقف مدير تحرير صحيفة العالم سرمد الطائي، واضحا من حظر التجوال، وهو يجتمع مع مجموعة من أصدقائه الإعلاميين والكتاب الذين قرروا الاعتصام منذ السابع عشر من حزيران الماضي في ساحة الفردوس ببغداد احتجاجا على استمرار حظر  التجوال.

 ويعتقد الطائي أن الحظر "استمرار لحالة الإهمال الحكومي للوضع العام في العراق وعدم احترام حرية المواطن", داعياً القادة العسكريين والحكومة إلى "أن تتوج انتصاراتها وتلغي قرار الحظر الذي أصبح وسيلة لخنق العائلة العراقية وخصوصاً في فصل الصيف الحار".

ويرى الطائي انتفاء ضرورة حظر التجوال، لان "أعمال العنف ترتكب في وضح النهار وليس في الليل"، مثلما يقول وعلى غرار ما تقوله لافتة رفعت في موقع الاعتصام.

وكان عدد من الصحافيين العراقيين قرروا الاعتصام منذ السابع عشر من حزيران الماضي في ساحة الفردوس من الساعة السابعة مساء وحتى الواحدة ليلا، احتجاجا على الفراغ السياسي الذي تشهده البلاد منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات في 26 آذار الماضي، ثم قرر هؤلاء الصحافيون، لاحقا، الاعتصام كل منتصف ليلة خميس وإقامة حفل موسيقي ودعوة الفنانين العراقيين إليه للمشاركة فيه لخرق الحظر الليلي.

ولبت بذلك فرقة "منير بشير" لعازفي العود الشهيرة بقيادة الموسيقار سامي نسيم، الدعوة وحضرت ليلة خميس الرابع والعشرين من حزيران الماضي وأحيت حفلا موسيقيا وسط بغداد كاسرة طوق الحظر، تضامنا مع اعتصام الصحفيين، وعزفت الفرقة في الهواء الطلق مجموعة من القطع الموسيقية التراثية إلى جانب عدد من الأغاني الوطنية.

وتربط كتابات الصحفيين والأدباء العراقيين حظر الحياة الليلية بظهور الحركات الاستبدادية، حيث بدأت السلطة مع وصول حكم نظام البعث بعد تموز من العام 1968، ومع انتشار المخبرين ورجال الحزب والأمن، بتحجيم حياة الليل بدواع أمنية، وعندما ارتدى نظام الحكم في تسعينيات القرن الماضي عباءة الدين، بعد العام 1994 زاد التضييق على مظاهر الحياة الليلية. وهو تضييق غالبا ما يكون، بحسب آراء الكتاب، مستهلا للتضييق على وسائل الإعلام، ومقاهي الإنترنت، والصحافة، ودور النشر، إضافة إلى انحسار النشاط المسرحي والسينمائي والمنتديات الثقافية.

الحظر حوّل الأمسيات الثقافية إلى اصبوحات
ويرى الممثل المسرحي ومدير فرقة مسرح بغداد الشعبية قحطان صغير أن "استمرار حظر التجوال ألغى جميع الأمسيات الثقافية التي لا يصلح انعقادها في الصباح أو الظهيرة لخصوصية الليل"،ويقول صغير لـ"السومرية نيوز" لم نعد نتذوق الشعر آو الإعمال المسرحية لان الحكومة قتلت الليل ".

ويعتبر صغير أن "أعضاء الحكومة بعيدين عن الأدب والثقافة لذلك لا يهمهم موت الثقافة مع موت ليل بغداد", داعيا إلى "تقليص ساعات الحظر الليلي على اقل تقدير، لانتفاء الحاجة إلى استمراره".

ويتفق الشاعر الشعبي صباح الهلالي مع مطلب المخرج المسرحي وتأثير الحظر على الحياة الثقافية العراقية ويقول إن الأمسيات الشعرية تحولت إلى أصبوحات، ولذا فان الشعر مثله مثل باقي الفنون التي فقدت معناها بسبب عدم وجود الليل الذي يعتبر الحاضنة الأساسية لهذه الفنون".

 من جهته يرى الشاعر والأديب حمزة الحلفي أن "الحظر الليلي في بغداد افقد النشاطات الثقافية  جمهورها المتذوق لها"، موضحا انه لا يمكن للمتذوقين لأي نوع من أنواع الفنون أن يستمتعوا بها في غير وقتها، فالأمسيات الشعرية لا يكمن جمالها ألا في الليل وكذلك المسرحيات ، مثلما يكمن جمال الاستماع لفيروز في الصباح وأم كلثوم في الليل، وهذا هو الفرق بين النهار والليل".

الحظر هدفه تقييد الحريات الفردية والشخصية
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم الصميدعي أن "ذريعة فرض حظر التجوال هي إعطاء فرصة لقوات الأمن لتعيد نشاطها من جديد"، مستدركا أن "اغلب القادة العسكريين اعترفوا بأكثر من مناسبة بعدم جدوى فرض حظر التجوال الليلي". 

ويعتقد الصميدعي أن أحد أسباب استمرار حظر التجوال ببغداد هو "لمنع أماكن الترفية والمنتديات الليلية وتقييد حرية الشباب العراقي وليس لبسط الأمن، خصوصا أن معظم الإعمال الإرهابية تحدث في النهار".

من جهته يصف الصحفي عماد العبادي حظر التجوال الليلي ببغداد بـ"الأمن الكاذب"، ويتفق مع الصميدعي في أن "المغزى الحقيقي لفرض حظر التجوال الليلي في بغداد هو لتقييد حرية المواطن ولمنع الشاب العراقي من ارتياد أماكن الترفية والمنتديات الليلية، بعد استتباب الأمن نسبياً "، وفقاً لقوله.

ويوضح العبادي أن "الحزب الحاكم حالياً هو حزب إسلامي وهو يحاول أن يفرض سيطرته على الشارع العراقي، فيما باتت الأسر العراقية رافضة لقرار تقييد حركتها، خصوصا بعد حركة انتشار المطاعم والمتنزهات في مناطق العاصمة بغداد".

وتغيرت أوضاع العراق بعد 2003 وسقوط النظام السابق إذ هيمنت الجماعات المتطرفة في عدد من مدن العراق وبعض أحياء بغداد، وأجبرت النساء تحت تهديد السلاح على ارتداء الملابس الطويلة والحجاب ومنع اختلاط الجنسين داخل الجامعات والمنتزهات.

إلا أن سطوة الجماعات المتشددة تراجعت بشكل كبيرة بعد 2008، وعادت بعض ملامح ليالي بغداد وفتح نحو 15 نادياً ليلياً أبوابه كما عاودت محال المشروبات الروحية فتح أبوابها، بالرغم من استهدافها بين وقت وآخر من قبل الجماعات المسلحة.

رجل دين: نعم لرفع الحظر ولا لفساد الأخلاق
من جانبه لا يعترض رجل الدين الشيخ عباس المحمداوي على المطالبة برفع حظر التجوال الليالي، لكنه يطالب السلطات بحماية المجتمع العراقي مما اسماها "بالمظاهر الطارئة على ليل بغداد".

ويقول المحمداوي إن "الجميع يترقب الساعة لرفع أو تقليص حظر التجوال الليلي، بعد الجهود التي بذلتها الحكومة والسلطات الأمنية الذي قادها كلا من وزير الدفاع والداخلية في محاربة الإرهاب في العراق، لكن هناك مخاوف أخلاقية من انتشار الفساد الليلي في حال فسح المجال لبعض ضعاف النفوس".

ويدعو المحمداوي رئيس الوزراء المنتهية ولايته والحكومة المقبلة إلى "سن قوانين جديدة للحد من ظاهرة الفساد الأخلاقي كمعاقرة الخمور وارتياد النوادي الليلية، إضافة إلى احتمالية اختلاط الجنسين خلال ساعات الليل التي ستكون مفتوحة في المتنزهات والحدائق العامة"، مشددا على أن "ثقافة المجتمع العراقي ثقافة أسلامية لا يمكن تشويهها ببعض الأمور".

ويبدي الشيخ استغرابه من موافقة المالكي على "فتح الملاهي الليلة ومحال المشروبات الروحية في حين انه منتمي لحزب إسلامي كحزب الدعوة الذي أسسه الشهيد الصدر الأول".

الحظر هو لراحة القادة العسكريين
أما الخبير العسكري علي الحيدري فيستبعد "وجود دوافع دينية وراء استمرار حظر التجوال، لأن الدستور العراقي يكفل حرية الأديان والأفراد"، واصفا القول إن الهدف من حظر التجوال هو لمنع أماكن الترفيه الليلية من العمل بأنه "أمر غير منطقي".

ويرفض الحيدري الذرائع التي تقدمها القيادات الأمنية حول حظر التجوال والمتمثلة "بإعطاء راحة لأمراء وقادة الأفواج العسكرية المتواجدة في بغداد وترتيب القطعات العسكرية أثناء الحظر"، مستدركا أن القطعات "موجودة على الأرض، وتسير حسب خطط مستمرة لأشهر وليس لأيام".

ويعتبر الحيدري أن "حظر التجوال فقد أهميته بعد نشر ما يقارب نصف مليون عنصر امني، وينبغي رفعه أو تقليص ساعاته، خصوصا بعد دخول جهاز السونار الكاشف للمتفجرات في الخدمة ببعض مداخل بغداد وتطور أداء الأجهزة الأمنية العراقية".  

فيما يكشف المتحدث الرسمي لقيادة عمليات بغداد اللواء قاسم عطا عن تقديم عمليات بغداد مقترحاً لخلية الأزمة "لتقليص ساعات حظر  التجوال في المستقبل القريب"، مؤكداً أن "الهدف الأساسي لحظر التجوال هو لترتيب القطعات العسكرية المتواجدة داخل بغداد من جديد".

وتشكلت خلية الأزمة قبل عامين وتضم في عضويتها وزارتي الدفاع والداخلية ووزارة الأمن الوطني وقيادة عمليات بغداد وممثلين عن وزارة الصحة وأمانة بغداد، ويترأسها رئيس الوزراء، وتكون مهمتها الوقوف والإشراف على الإجراءات الأمنية.

ومازالت العاصمة العراقية تشهد حظراً للتجوال يبدأ من الساعة 12 ليلاً وحتى الخامسة فجرا، وتم البدء بفرضه في عام 2004 بعد أن تزايدت أعمال العنف ونشاطات تنظيم القاعدة والمليشيات في العراق، إلا أن السلطات الأمنية العراقية أكدت في أكثر من مناسبة أنها تعتزم رفع الحظر أو تقليص عدد ساعاته إلا أن بعض الإجراءات الروتينية منها نشر وتوزيع القطعات العسكرية تعرقل هذا الأمر.

توصية
5
0
تعليق
التعليقات المنشورة على موقع السومرية نيوز تعبر حصرا عن رأي كتابها، وبالتالي السومرية نيوز تتنصل من أي مسؤولية قانونية أو جزائية قد تنتج عن هذه التعليقات، وفي نفس الوقت تؤكد أنها ستمتنع عن نشر أي تعليق يسيء لآداب النشر، أو يحتوي نوعا من الدعاية.
من منطلق وعيها بأهمية المشاركة الجماهيرية فيما يدور من أحداث على اختلاف أنواعها، خصصت السومرية نيوز هذا المنبر التفاعلي، فيرجى عدم إساءة استخدامه.
Share/Bookmark
البريد الإلكتروني
الاسم
التعليق

(2000)