السومرية نيوز/ بيروت
الحراك التركي الجديد في منطقة الشرق الأوسط يبعث بمؤشرات أكيدة لإمكانية تحوّل استراتيجي ما في تركيا . من السلطنة العثمانية وعاصمتها "الآستانة" على الضفة الأوروبية ، ذاقت تركيا مرارة الهزيمة في المشرق العربي وتقوقعت في آسيا الصغرى؛ فرحلت عن " اسطنبول" واستقرت في أنقره بلباس علماني دون أن تتخلى عن روحها الإسلامية ، متوجهة نحو أوروبا بحثاً عن دور .
حاولت على مدى أكثر من أربعين عاماً دخول النادي الأوروبي وفشلت. ويبدو أنها تحاول "هجر" أنقره والعودة إلى الآستانة و"بابها العالي " لاستعادة الشرق الأوسط من جديد وإحياء " تركة " بني عثمان. الأبواب مفتوحة أمامها، والباب الأوسع للعودة إلى هذه المنطقة هو باب الصراع العربي - الإسرائيلي . كيف يعود " العثمانيون " الجدد ؟
تركيا إسرائيل: التحوّل الإستراتيجي
كانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948 ؛ فنسجت معها علاقات ثابتة ومتينة على مدى العقود اللاحقة في ظلّ انقسام الأسرة الدولية إلى كتلتين كانت فيها تركيا وإسرائيل ركنان أساسيان : الأولى في مواجهة الإتحاد السوفيتي ، والثانية في مواجهة حلفاء هذا الأخير في منطقة الشرق الأوسط . وأصبحت تركيا محطة أمنية أساسية للقاء عملاء إسرائيل الإستخباراتيين المنتشرين في العالم العربي لتبادل المعلومات والعودة إلى إسرائيل .
" تحررت" تركيا من مسؤوليتها الإستراتيجية بسقوط الإتحاد السوفيتي وسقط "حلمها " الأوروبي ، فارتدّت منذ عقدين لتبحث عن جذورها بين دول آسيا الوسطى ودولها الست الناطقة باللغة التركية ،فلم تنجح لأن البون أصبح شاسعاً بين ثقافة تركية تكتب منذ مصطفى كمال أتاتورك بالحرف اللاتيني وتعيش الحالة الأوروبية منذ ثمانية عقود ، وبين أتراك الدول الخارجة من سطوة الإتحاد السوفياتي ؛ فانكفأت لتبحث عن مخرج آخر : إنه الشرق الأوسط " المريض" بقضاياه الإقليمية والداخلية فكان لها الباب الإسرائيلي .
بالرغم من العقود العسكرية بمليارات الدولارات بين أنقره وتل أبيب للسنين المقبلة بالرغم من الصناعة السياحية التي تدرّ المليارات الإسرائيلية إلى خزينة أنقره ،بالرغم من الحلف الإستراتيجي الذي وضعت أسسه بين البلدين للعقدين المقبلين على أساس مصالح مشتركة على صعيد الصناعة العسكرية والتجارة والمياه ؛ بالرغم من ذلك كله ، وجّه رئيس وزراء تركيا ، رجب طيب أردوغان منذ عام في " دافوس " في سويسرا ،كلاماً قاسياً إلى شيمون بيريس ،رئيس دولة إسرائيل ،بسبب حربه على غزه ، تبين أنه "كلام تركي " جديد لم يعهده الإسرائيليون من قبل . وقد يكون بداية تحوّل في الإستراتيجية التركية تجاه الحليف التاريخي .
الموقف الجديد لتركيا شجّع سوريا إلى القبول بأنقره كوسيط بين دمشق وتل أبيب ؛ فلعبت هذا الدور بنجاح قبل وصول أفيغدور ليبرمان إلى سدّة الدبلوماسية في تل أبيب ، رافضاً دور الوسطاء ومطالباً دمشق بالحوار المباشر ومن نقطة الصفر ؛ الأمر الذي رفضته الحكومة السورية . ثم دخل على خط العلاقات بين البلدين المسلسل التلفزيوني التركي " وادي الذئاب" الذي اعتبرته إسرائيل معادياً للسامية. وبدل أن تبحث الأمر دبلوماسياً مع أنقره عمدت إلى إهانة سفير هذه الأخيرة في تل أبيب بتطبيق سياسة " الكرسي المخفوض" ما أعطى لأنقره سبباً للتصعيد، وبالتالي توسيع باب الدخول إلى العالم العربي عبر قضيته المحورية "القضية الفلسطينية".
بقدر ما كان ينفتح الباب العربي واسعاً أمام تركيا، كانت تتقلّص العلاقات وتتشنّج المواقف بين أنقره وتل أبيب؛ والعكس صحيح . خلال عملية التشنج أقدمت تركيا على إلغاء مناورة عسكرية بحرية وجوية مشتركة مع تل أبيب ؛ وبدا أن الحلف الإستراتيجي والاقتصادي بات مهدداً بين الدولتين من الجانب التركي الذي شعر بالإهانة بعد حادثة السفير . فبادرت تل أبيب إلى إرسال وزير دفاعها أيهودا باراك للاعتذار من تركيا وإنقاذ ما تبقى من مصالح مشتركة بين الدولتين .
" ألآستانة " عائدة
" ألآستانة " عائدة هذه المرة من دون بني عثمان .
" العثمانيون" الجدد لا يدخلون عن طريق معركة " مرج دابق " مع السلطان سليم الأول ؛ إنما عبر فلسطين وإنسانية قضيتها مع رجب طيب أردوغان . الأتراك عائدون عبر الوساطة التي توقفت بين دمشق وتل أبيب ، عائدون عبر الاتفاقات التي عقدت مؤخراً بين أنقره ودمشق ،عائدون عبر زيارة الرئيس الحريري والوفد الكبير المرافق له إلى أنقره ، وما نتج عنها من ربط مصالح مع بيروت ،عائدون عبر التسهيلات التي أعطتها أنقره لأكراد تركيا وفتح صفحة جديدة مع العراق وأكراده ، عائدون عبر الزيارات والتواصل مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج .
هل ينجح الأتراك في استعادة الموقع الذي فقدوه قبل قرن من اليوم ؟
عوامل النجاح متوفرة؛ يبقى عليهم أن يحسنوا استثمارها. العامل الأول يكمن في الصراع المذهبي المتجدد في الشرق الأوسط بين السنّة والشيعة في غياب قطب سنّي شرق أوسطي بحجم تركيا قادر على الاستقطاب والمواجهة . العامل الثاني يتجسّد بالقضية الفلسطينية وما ينتج عنها من مجالات "استثمار " للدول الراغبة في الدخول إلى المنطقة ؛وقد باشرت تركيا بذلك . العامل الثالث هو البحث عن النفوذ والأسواق لدولة أكثر تطوراً من محيطها وتشكل حلقة وصل بين أوروبا المتطورة والشرق المتراجع. العامل الرابع يبقى فائض المياه التركي الباحث عن أرض عطشى في صحراء الشرق الأوسط المفتقر إلى المياه
الشرق الأوسط واسع وعطش، لكنه يختزن مصالح الكبار والصغار في هذا العالم . فإيران تقف على جانبه الشرقي الأغنى حيث يتجمع ثلثي الاحتياط النفطي العالمي، وترصد النوافذ الأخرى على البحر المتوسط عبر حزب الله والبحر الأحمر عبر الحوثيين . وإسرائيل تقف على جانبه الغربي وترصد كل المداخل الباقية بأذرعها الجوية والبحرية الطويلة ومصالحها الملتفة حول العالم العربي . وها هي تركيا اليوم تدخل كلاعب جديد على هذا المسرح.
الدخول التركي يثير المخاوف دون شك لدى قادة طهران من شريك جديد قد يكون أقرب إلى تطلعات المسلمين العرب ؛ كما يدخل الهلع إلى قادة إسرائيل الذين طالما راهنوا على الحليف التاريخي . لكن الدخول التركي لا يمكنه معاداة القوتين " الكبريين " إيران وإسرائيل دفعة واحدة . لذا نراه يتقدم ببطء نحو المنطقة لينسج علاقات متوازنة في المثلث الإسرائيلي - الإيراني - العربي لتأمين النجاح والإشتراك في إدارة المنطقة .
التعليقات المنشورة على موقع السومرية نيوز تعبر حصرا عن رأي كتابها، وبالتالي السومرية نيوز تتنصل من أي مسؤولية قانونية أو جزائية قد تنتج عن هذه التعليقات، وفي نفس الوقت تؤكد أنها ستمتنع عن نشر أي تعليق يسيء لآداب النشر، أو يحتوي نوعا من الدعاية.
من منطلق وعيها بأهمية المشاركة الجماهيرية فيما يدور من أحداث على اختلاف أنواعها، خصصت السومرية نيوز هذا المنبر التفاعلي، فيرجى عدم إساءة استخدامه.